محمد بن عبد الوهاب
141
أصول الإيمان
105 - وفيهما عن أبي موسى - رضي اللَّه عنه - قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم : « مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ؛ فكانت منها طائفة طيبة قبلتِ الماء فأنبتتِ الكلأ والعشْب الكثير ، وكانت منها أجادِب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ؛ فذلك مثل من فقِه في دين اللَّه ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلِم وعلم ، ومثل من لم يرفعْ بذلك رأْسا ولم يقبل هدي اللَّه الذي أرسلت بهِ » .
--> 105 - رواه البخاري كتاب العلم ( 1 / 175 ) ( رقم : 79 ) ، ومسلم كتاب الفضائل ( 4 / 1787 ) ( رقم : 2282 ) . قال البغوي رحمه اللَّه : « فكانت منها ثغبة » فالثغبة : مستنقع الماء في الجبال والصخور وجمعها ثغبان . « كانت منها أجادِب » أجادِب : صِلاب الأرض التي تمسك الماء ، فلا يسرع إليه النضوب ، وقال الأصمعي : الأجادب من الأرض ما لم تنبت الكلأ فهي جرداء بارزة لا يسترها النبات . فالنبي صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم جعل مثل العالم كمثل المطر ، ومثل قلوب الناس فيه كمثل الأرض في قبول الماء ، فشبه من تحمل العلم والحديث وتفقه فيه بالأرض الطبية أصابها المطر فتنبت ، وانتفع بها الناس ، وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس وينتفعون به ، وشبه من لم يفهم ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء فهو الذي لا خير فيه . قال النووي ( 15 / 47 - 48 ) : أما معاني الحديث ومقصوده فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم بالغيث ، ومعناه : أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس : فالنوع الأول من الأرض : ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتا ، وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها ، وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع . والنوع الثاني من الأرض : ما لا تقبل الانتفاع في نفسها لكنْ فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها ، فينتفع بها الناس والدواب ، وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به ، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به فهؤلاء نفعوا بما بلغهم . والنوع الثالث من الأرض : السباخ التي لا تنبت ونحوها ، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها ، وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ، ولا يحفظونه لنفع غيرهم .